مصلحته الشخصية أو عواطفه أو أحكامة المسبقة
أو حبه لما هو مدهش , اما حين تمسها
فالأمر يتطلب دليلا معززا موثقا يتناسب تناسبا دقيقا
مع مخالفة الشيء المشهود للاحتمالات المتوقعة
تابعت مؤخراً حادثة تجلي العذراء مريم في كنيسة الوراق , كنت قد سمعت بالخبر من إحدي زملاء العمل, واعتقدت انه مجرد خبر صغير سيمر سريعا في زحام الحياة إلا ان الظهور تكرر عدة ايام حتي كتابة هذه السطور وصاحبه تغطية اعلامية مكثفة واهتمام شعبي كبير
شاهدت تغطية برنامج العاشرة مساءً التي حاولت فيه مني الشاذلي نفي الموضوع بطريقة أستفزت المسيحيين , مما دفعهم لاحقاً بعمل جروبات تدعو لمقاطعة برنامجها وأوربت ( عمرو أديب ) الذي لم ينفي أو يؤكد بشكل قاطع وإن مال بشكل غير مباشر لترويج هذا الحدث , ثم تداعيات هذا الخبر في الصحف حتي أصبح موضوع الساعة
بداية حتي ننظر الي الموضوع من زاوية أوسع , هناك نوعان من الظهور الخارق للشخصيات المقدسة بداية من مريم العذراء أو القديسين أو حتي أصوات الألهة يتكرر كثيراً عبر التاريخ
الاول مجرد ظهور بدون أي مضامين , كأن تري هالة من الضوء وغالباً ما تكون غير واضحة مثلما حدث في كنيسة الوراق والزيتون وفي اماكن أخري عبر العالم وهذه النوعية من الظهورات تجد دائماً من يحتفي بها إحتفاءاً شديداً من السلطة الدينية والسياسية لانها لا تقدم شيئاً خارج نطاق المعجزة وتزيد دائماً عند الأزمات التي تتعرض لها الكنيسة والأحداث الأخيرة التي تعرض لها المسيحيون منذ عدة شهور خير دليل علي ذلك بداية من تحطيم بعض المسلمين لمنزل حاول أصحاية تحويله الي كنيسة إنتهاءً بأحداث فرشوط وغالباً ما تنطوي هذه الظهورات علي خدعة مقصودة من السلطة

النوعية الثانية ذات مضمون سياسي ويتم عادة معاقبة مروجيها من السلطة, وخير مثال لنا علي ذلك جان دارك المناضلة الفرنسية التي أعدمت حرقاً لأنها أدعت رؤيتها لنور من الله يناديها لتحرير فرنسا كذلك القديس سافونارولا الذي أعدم شنقاً وأحرقت جثته في فلورنسا لأنه ادعي بأن الله يخاطبه شخصياً ليكسب الناس في صفة من أجل تمكينه من محاربة فساد الكنيسة و أسرة ميديتشي الحاكمة , أعتقد ان هناك امثلة اخري كثيرة لا تسعني ذاكرتي لتذكرها الان
ما يثيرني شخصياً بشأن تجلي العذراء أنه لا يوجد عذراء تراها فعلاً , مجرد وهج ضوئي , وإذا سلمنا جدلاً بانها العذراء مريم فعلاً
فلماذا تكتفي بالظهور فقط دون أن تتكلم ؟
لماذا تظهر دائماً عند كنيسة ولا تظهر عند جامع مثلاً لهداية المسلمين؟ بالتأكيد ستكون ضربة قاصمة للإسلام وستزيد من إيمان المسيحيين ,
لماذا نري دائماً هذه الحالة من التوافق بين الحكومة والشعب والكنيسة عندما تظهر
لماذا تظهر في مصر بالذات قبل أو بعد حدث ذو بعد سياسي كبير عندما تجلت في كنيسة الزيتون اولاً بعد هزيمة 67
هنا ايضاً معجزة لقيام السيدة زينب من القبر
ومفيش حد أحسن من حد
تاريخياً :
يفند كارل ساجان عالم الفلك الأمريكي الشهير في كتابه الرائع عالم تسكنه الشياطين الكثير من تلك المزاعم الخرافية التي تلتصق بالدين وتصبح جزئاً منه مع الوقت , إخترت بعضاً من أجزائة لتشاركونني قراءتها :
يقول كارل ساجان في فصل خاص عن الرؤي الخارقة :
إن أشباح القديسين يدعي مشاهدتها اكثر من مشاهدة الألهة والشياطين, وبصفة خاصة العذراء مريم التي ظلوا يزعمون مشاهدتها في غرب أوروبا من اواخر العصور الوسطي حتي الوقت الحاضر ,
في إحدي الحالات المعبرة عن ذلك تعبيرا نموذجياً , نجد إمراة ريفية أو طفلاً يبلغ عن لقاء فتاة او إمراة ضئيلة الحجم علي نحو مفرط الغرابة , ربما يكون طولها ثلاثة أو اربعة أقدام تكشف عن نفسها بإعتبارها العذراء مريم أم السيد المسيح , تطلب من الشاهدة المذعورة أن تذهب إلي اباء القرية أو سلطات الكنيسة المحلية وتامرهم بالصلاة من اجل الموتي , او بان يطيعوا الوصايا العشر ,. أو تامرهم ببناء ضريح أو مزار في ذات البقعة من الريف , فإذا لم يذعنوا يهددون بعقاب رهيب ربما كان تفشي الطاعون او كبديل لذلك في الازمنة التي ينتشر فيها الطاعون , تعد مريم بعلاج المرض شريطة الاستجابة لطلبها
فتحاول الشاهدة ان تفعل ما امرت به غير انها حين تخبر أباها او زوجها أو القس تؤمر ألا تعيد القصة علي أسماع أحد , ذلك انها مجرد حمق أنثوي ( هبل نسوان ) أو تفاهة او هلوسة شيطانية , لذا فهي تلزم الصمت , بعد ذلك بايام , تواجهها مريم مرة أخري وهي حزينة قليلاً لأن طلبها لم يلب فتشكو الشاهدة , لن يصدقوني أعطني امارة , فالحاجة ماسة إلي الدليل , لذا تقدم مريم أمارة مع انها لم يكن لديها سابق علم علي ما يبدو بانة يجب عليها تقديم هذه الإمارة , وسرعان ما يقتنع الكهنة والقرويون ويتم بناء الضريح أو المزار , وتظهر بجواره علاجات معجزة , وياتي الحجاج من كل حدب وصوب وينشغل الكهنة وينتعش إقتصاد الناحية , ويتم تعيين الشاهدة الأصلية كسادنة للضريح أو المزار المقدس

ليس من الصعب العثور علي الدوافع الممكنة لإختراع مثل هذه القصص وقبولها , فهذه القصص توفر الوظائف للكهنة والشخصيات الهامة والنجارين والتجار وغيرهم مما يدفع الإقتصاد العام في وقت يسوده الكساد , وتعزز المكانة الإجتماعية للشهود وأسرهم , كذلك فإن الصلوات تتلي مرة أخري من أجل الأقارب الذين دفنوا في مقابر هجرت فيما بعد بسبب الطاعون أو الجفاف او الحرب , كما كان ذلك يؤدي إلي رفع روح الجماهير المعنوية ضد الاعداء وعلي الأخص المسلمون
بالإضافة إلي ذلك ساعدت هذه الشهادات علي تهذيب السلوك ودعمت طاعة تعاليم الكنيسة كما ثبتت من إيمان الاتقياء , وكان حماس الحجاج لتلك الأضرحة حاراً ومؤثراً إذ لم يكن من غير المألوف أن يمزج الناس حكاكة الصخر المتخذة من هذه الاضرحة بل والقاذورات في الماء ويشربونه كدواء , ولكني لا أحاول القول إن معظم الشهود تصنعوا كل هذه الأمور , ذلك أن شيئا أخر كان يحدث
يتابع كارل ساجان قولة :
من الطبيعي ان يشك المرء في أن الكثير من هذه الأشباح أو الاطياف ربما كانت جميعها انواعاً من الاحلام او اليقظة أو النوم المقترنة بالحيل او باعمال التزوير حيث كانت تزدهر حرفة ترويج المعجزات المصطنعة فالأيقونات كانت تصور والتماثيل تنحت إما بمحض الصدفة أو بامر إلهي
جري تضمين الأمر كله في مخطوط القانون المقدس والقانون المدني الذي جمع بتوجيهات ألفونسو الحكيم ملك قشتالة حوالي عام 1248 ويمكن ان نقرا فيه ما يلي:
إن بعض الناس يكتشفون أو يبنون بطريق الإحتيال والتدليس مذابح في الحقول أو المدن قائلين إن هناك أثاراً لقديسين معينين في هذه الأماكن ويدعون أنهم يقومون بالمعجزات ولهذا السبب يستحث الناس من شتي الاماكن علي الوفود إلي هناك وكانهم يحجون لكي يظفروا بشيء منهم وهناك أخرون متأثرون بالاحلام أو الأشباح الخاوية التي تظهر لهم يشيدون المذابح ويدعون إكتشافهم لها في الاماكن التي سبق ذكرها
إنتهي الإقتباس

علي الهامش :
حملة إعلانية بعنوان الحقيقة المطلقة , كنت قد شاهدتها قديما وتذكرتها الان بعد معجزة التجلي , في الملصق الاول نشاهد إحدي معجزات نبي الله عيسي الشهيرة وهو يقوم بشفاء شخصاً أعمي , ومن خلال المكبرة نري وجهاً لنفس الرجل يعود إليه بصرة بفضل إختراع النظارة الطبية
لا تهاجم الفكرة الدين كما قد يتوقع البعض وإنما تحمل لنا معني أكثر عمقاً بكثير ففي هذا العصر الذي أصبح فيه العلم هو الحقيقة الوحيدة المطلقة وليس المعجزات يصبح السعي إليه هو المطلب الأول لنا لكي نلحق بركب الحضارة بعد ان ساعد في تحقيق السعادة والإطمئنان للبشر ولو عاش نبي الله عيسي حتي هذا اليوم لكان اول من ينادي به كما نراه يفعل في هذا البوستر

نفس الفكرة بإخراج اخر
أني أميل للإعتقاد أن المعجزات التي أتت بها الأديان كان يجب عليها أن تكون علي هذا النحو وسط مجتمعات بدائية لم يكن لها حظاً من العلم ولذا خاطبها الله قديماً بلغتها , إن هذه اللغة أنتهت الان إذ وصل الإنسان إلي سن الرشد وأصبح سيداً ومتحكماً في الطبيعة ولم يبقي له سوي العلم بعد أن وصلت الرسالة

يكون كالثور يتقبل النير بلا معارضة
The gospel Truth :
Advertising Agency: M&C Saatchi, Auckland, New Zealand
Executive Creative Director: Todd Waldron
Creative Director: Paul Taylor
Art Directors: Rene Van Wonderen, James Bowman
Copywriters: Ben Pegler, Leon Hayward
Retoucher: Woody, The Lounge